عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

178

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من اللّه حق الحياء » « 1 » . اعلم أن الحياء من أوصاف الروح ومقاماته والحياء والعقل توأمان . وذلك أن اللّه تعالى لما خلق الروح الأعظم وهو روح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كما مر شرحه ، وهو القلم فكان إحدى شقّيه : الحياء والأخرى : العقل . فلا ينفك أحدهما عن صاحبه فأينما يوجد العقل : يوجد الحياء ، وأينما يفقد العقل يفقد الحياء . وقد جاء في الخبر : أن اللّه تعالى لما نظر إلى روح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بنظر المحبة غلب عليه الحياء فتعرق روحه فخلق اللّه تعالى من قطرات عرقه الأنبياء - عليهم السلام - وقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « خلق الورد الأحمر من عرقي » « 2 » لعل من أصل هذا العرق أصله . ومن نتائج هذه الحقيقة أن من نظر الآن بنظر المحبة إلى محبوبه غلب عليه الحياء واحمر وجهه وتعرق . وقيل الحياء على وجوه : حياء الجناية . كآدم - عليه السلام - لما قيل : أفرارا منا ، قال : بل حياء منك . وحياء التقصير : كالملائكة ، يقولون : ما عبدناك حق عبادتك . وحياء الإجلال : كإسرافيل - عليه السلام - تسربل بجناحيه حياء من اللّه تعالى . وحياء الكرم : كالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان يستحي من أمته أن يقول : اخرجوا ، فقال اللّه تعالى - عز وجل - : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [ الأحزاب : 53 ] وحياء الحشمة : كعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - . حين سأل المقداد حتى سأل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن حكم المذي لمكان فاطمة - رضي اللّه عنها - منه وحياء الاستحقار كموسى - عليه السلام - قال : عرض بالحاجة من الدنيا فاستحيي أن أسألك يا رب . فقال له - عز وجل - : سلني ولو ملح عجينك وعلف شاتك . وحياء الرب سبحانه وتعالى . يدفع إلى العبد كتابا مختوما بعدما عبر الصراط وإذا فيه فعلت ما فعلت ولقد استحيت أن أظهر عليك فاذهب فإني قد غفرت لك . وعن أبي سليمان الداراني يقول : قال اللّه تعالى عبدي إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك ، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ، ومحوت من أم الكتاب زلاتك ، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة . [ حياء روحاني ] قلت : الحياء حياءان : حياء روحاني منشؤه إنسانية الإنسان مما استفاد الروح عن

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الرقاق ، حديث رقم ( 7915 ) . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب صفة القيامة . . ، باب ( 24 ) حديث رقم ( 2458 ) ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .